موقع العتيقي

عدد الزوار:2946

نماذج من التواصل العلمي والثقافي ما بين الهند و الأحساء في القرن الثاني عشر(الثامن عشر الميلادي)

نماذج من التواصل العلمي والثقافي ما بين الهند و الأحساء في القرن الثاني عشر(الثامن عشر الميلادي)

مقدمة:

يختص هذا المقال بالنشاط العلمي والثقافي في الأحساء في القرن الثاني عشر. وفي هذه المرحلة والبقعة الجغرافية التي شهدت نشاطاً علمياً متميزاً من جميع المدارس العلمية، كان أربابها يقومون بدور رائد في تعمير الأرض بالمساجد والصلوات والمدارس والعلوم النافعة. ويهمنا على وجه الخصوص التواصل الثقافي مع سواحل الهند وموانئها التجارية، فنعرض ما يتعلق بالشيخ صالح بن سيف العتيقي كنموذج للتواصل الثقافي مما يمثل شريحةً أكبر من العلماء والموثقين، وظاهرة حضارية تستحق الدراسة والاهتمام.

التواصل العلمي بين الأحساء و الهند- وثائق صالح بن سيف العتيقي نموذجاً:

ذكرنا في محل آخر طرفاً من مساهمات الشيخ صالح بن سيف العتيقي العلمية في الأحساء والزبارة القطرية، منها توثيقه لبعض الوقفيات والمبايعات التي جرت في مدينة المبرز حيث كان يقوم بالتدريس والتوثيق (1). وتطرقنا إلى مساهماته مع أحمد بن رزق في مدينة الزبارة، وذكرنا بعض التوثيقات والكتب التي تم تداولها في الأحساء والزبارة (2) حيث كان العتيقي يتولى الإمامة والخطابة وديوان الكتابة.

ونعرج هنا إلى مثالين يبرزان امتداد التواصل العلمي بين منطقة الأحساء والزبارة و بنادر(موانئ) الهند التي كانت مركزاً لنشاط التجار العرب في رحلاتهم إبان تلك الفترة. وهذان النموذجان ليسا إلا عينة صغيرة من حجم المعلومات المتوفرة عن العلاقات العلمية بين منطقة الأحساء والهند (3). والإشارة إليهما في هذا المجال تهدف فقط إلى تقديم الموضوع وإبراز المصاحبة العلمية التي كانت تميز الحركة التجارية بين القطرين، وهي مصاحبة مستمرة على مدى أجيال وقرون عديدة.

1- تملك تفسير البيضاوي: هذا التفسير الجليل من الإمام البيضاوي (4) المسمى "أنوار التنزيل وأسرار التأويل" تم تداوله في بندر سورت على ساحل الهند الغربي. وقد اشتراه محمد بن عبدالله بن سليمان النجدي في شهر ذي الحجة من سنة 1171 (1758م). وكان قبل ذلك ملكاً للسيد عبدالله الجواد بن السيد الحسين بن (الأستاذ الأعظم) عبدالله بن علوي الحداد العلوي. ويبدوا أنه انتقل بعد ذلك إلى قريب المشتري وهو محمد سالم بن سليمان النجدي. ويدل قيد الوقف الموثق على غرته أن هذا الجزء من تفسير البيضاوي والجزء الذي بعده أوقفهما المرحوم محمد سالم بن سليمان النجدي لوجه الله تعالى على من يطالع فيهما من المسلمين. ويلاحظ أن اسم الواقف مركب من كلمتين "محمد سالم" على غير المألوف في الأسماء النجدية. والوقف مؤرخ سنة 1175هـ(1761م) وعليه اسم الكاتب "صالح بن سيف". والخط هو لصالح بن سيف العتيقي الذي كان في المبرز ذلك الوقت. واكتفاء الموثق باسمه واسم أبيه يدل على أن الكتاب كان في عهدة مدرسة الحنابلة بعناية شيخه محمد بن عبدالله بن فيروز وأن الكتاب قد انتقل مع مالكه من بندر سورت في الهند إلى الأحساء (5).

 

صفحة الغلاف لمخطوط تفسير البيضاوي وعليه قيود التملك والوقفية المشار إليها

2- نسخ شرح صحيح البخاري

ورد في فهرس مخطوطات جامع بومباي بالهند ذكر "إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني"(6)، وهي نسخة الشيخ محمد بن عبدالله بن فيروز الحنبلي وقد قرئت عليه سنة 1194 ه(1780م)، نسخة قوبلت سنة 1183ه(1769م) وكتب ذلك صالح بن سعيد (صوابه سيف) بن حمد العتيقي الحنبلي (7).

قلت وهذا نموذج من المخطوطات التي نسخت في الأحساء ثم انتقلت إلى الهند في تاريخ لاحق وانضم إلى مجموعة جامع بومباي والتي كانت ولا تزال من أهم موانئ ذلك القطر. وقيام الشيخ صالح بن سيف العتيقي بنسخ ذلك المخطوط ومقابلته على أصله توضح منهجه في ضبط الجودة واختصاصه بعلم الحديث الذي كان يقوم بتدريسه في مدرستين بالأحساء. وتاريخ المقابلة المصحح سنة 1196(1782م) كان في فترة نشاط صالح بن سيف العتيقي في الزبارة القَطَرية . وكانت الزبارة في ذلك الوقت من أهم مراكز التبادل التجاري مع الهند وشرق أفريقيا. 

 

خاتمة:

خصصنا هذه المقالة لمتابعة التواصل الثقافي الخارجي بين منطقة الأحساء والهند، واخترنا وثائق صالح بن سيف العتيقي كنموذج لنوعين من الاتصال: أولهما انتقال الكتاب من الهند إلى الأحساء، والثاني من الأحساء إلى الهند. وتطرقنا إلى كتابين من أمهات الكتب العلمية أحدهما في التفسير وهو تفسير البيضاوي، والآخر في تفسير الحديث وهو شرح القسطلاني على البخاري. ونود هنا ملاحظة أن هذين التفسيرين العظيمين على كثرة تداولهما بين علماء الزمان السابق، لا يبدوا أنهما يحظيان باهتمامٍ كافٍ في العصور المتأخرة. ويكفي للتدليل على أهمية هذين التفسيرين ذكر رسالة الشيخ عبدالله بن الشيخ محمد بن عبدالوهاب والتي كتبها عند دخول سعود بن عبدالعزيز مكة المكرمة جاء فيها: "ثم إنا نستعين على فهم كتاب الله بالتفاسير المتداولة المعتبرة ، ومن أجلها لدينا تفسير ابن جرير ومختصره لابن كثير الشافعي، وكذا البغوي والبيضاوي والخازن والحداد، والجلالين وغيرهم، وعلى فهم الحديث بشروح الأئمة المبرزين كالعسقلاني والقسطلاني على البخاري، والنووي على مسلم..."(8). وهذا الاهتمام لم يتوقف على بقعة جغرافية بعينها ولكنه امتد في الزمان والمكان بما يدل على استمرار الاهتمام بهذين السفرين لدى الخاصة والعامة. فتحتوي مكتبة المخطوطات بوزارة الأوقاف الكويتية مثلاً على ستة عشر نسخة من مخطوط تفسير البيضاوي ما بين كاملة وناقصة، وعلى ست نسخ من تفسير القسطلاني على البخاري، بما يعتبر أكبر عدد لنسخ أي تفسير للقرآن أوشرح للحديث بها.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

وكتب د. عماد بن محمد العتيقي

جمادى الآخرة 1433/مايو 2012

هوامش:

1- ينظر الوثيقة رقم (35) المنشورة في موقع العتيقي وهي إحدى العقود التي وثقها صالح بن سيف العتيقي في الأحساء.

2- عماد العتيقي "تواجد آل خليفة والعتوب في الأحساء في القرنين الحادي عشر والثاني عشر-عَود على بدأ"بحث ينشر قريباً.

3- هذا باب كبير وبحر زاخر، ولعل في هذه النبذة تحفيز للهمم لدراسة هذا الموضوع دراسة موسعة، وقد كانت دور العلم والمكتبات الهندية وما زالت مصدراً أساسياً في الإنتاج الفكري الإسلامي من مخطوط ومطبوع.

4- هو قاضى القضاة، ناصر الدين عبدالله ابن عمر بن محمد بن علىّ البيضاوى الشافعى. ولد بالمدينة البيضاء قرب شيراز حيث تولى القضاء وله مؤلفات فريدة وتصانيف عجيبة في علوم مختلفة، وتوفى بمدينة تبريز. قيل سنة 685 ه الموافق 1292 م , وقيل توفي سنة 691هـ . وتفسير العلامة البيضاوى، تفسير متوسط الحجم، جمع فيه صاحبه بين التفسير والتأويل، على مقتضى قواعد اللغة العربية، وقرر فيه الأدلة على أصول أهل السُّنَّة، وذاع ذكره في الأمصار وتلقاه الناس بالقبول لما فيه من التوسط والفوائد.

5- لعناية مدرسة الحنابلة بالأحساء بالكتب العلمية، ينظر تعليقنا على الوثيقة رقم (24) في موقع العتيقي بعنوان "رحلة كتاب "مدارج السَّالكين" بين الأحساء والزبير والكويت ونجد". وقد انتقل هذا المخطوط وهو تفسير البيضاوي لاحقاً إلى مكتبة وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالكويت وهو محفوظ برقم خ 314.

6- هو أبو العباس، شهاب الدين، أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبدالملك القسطلاني القتيبي المصري، الإمام العالم العلامة الحجة المحدث المسند، ولد بالقاهرة عام 851هـ، وبها أخذ العلم عن جماعة من العلماء منهم: العلامة الحافظ الشاوري، والحافظ السخاوي، وغيرهما وله مصنفات منها: إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، في عشرة أجزاء، والمواهب اللدنية في المنح المحمدية، في السيرة النبوية العطرة، ومنها جالإبتهاج لشرح مسلم بن الحجاج، في ثمانية أجزاء، وغير ذلك من الكتب والتقاييد الأخرى. وكانت وفاته رحمه الله بالقاهرة عام 923هـ.

7- عن فهرس مخطوطات جامع بومباي، ينظر مقال الأستاذ راشد بن عساكر في جريدة الرياض تاريخ 17/6/2011 . وقد ورد اسم الناسخ خطأً "صالح بن سعيد" وصوابه صالح بن سيف كما أثبتناه. ثم قام محقق الفهرس بتصحيح بعض البيانات وهي سنة القراءة والمقابلة بحيث تكون (1196 ه) (إبراهيم اليحيى، 11 مايو 2011 -موقع أهل الحديث).

8- ينظر حمد العنقري "مكتبات الدولة السعودية الأولى المخطوطة" الدارة، 1430/2009. ص 108. وقد أورد المؤلف عدداً كبيراً من قيود تملك ووقف واستعارة للعلماء السابقين في نجد والأحساء على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم لكل من تفسير البيضاوي وشرح القسطلاني على البخاري بما يؤكد ما ذكرناه من أهمية.

Top