موقع العتيقي

عدد الزوار:3673

موقع العتيقي

موقع العتيقي:10 نوفمبر2017 تم اضافة مقال وثيقة رقم 54: غقد تضميم نخل عثمان بن موسى في بلد حرمه إلى منصور بن ناصر العتيقي ، وسبق اضافة مقال مشترى محمد عبدالله المديرس من الشيخ صباح الجابر بيتاً في محلة عنزة بالكويت ، وسبق إضافة وثيقة رقم (52): هبة سلما البتيري وبناتها لعلي بن موسى في 1176(1762م) : صفحات مجهولة من تاريخ بلد حرمة في سدير قبل العصر السعودي

وثيقة رقم (26): رسالة سليمان بن عبدالمحسن العتيقي إلى "إمام جَامع جُلاجل" الشيخ عبدالرحمن بن محمَّد ابن عُبَيْد 1281هـ.

وثيقة رقم (26): رسالة سليمان بن عبدالمحسن العتيقي إلى "إمام جَامع جُلاجل" الشيخ عبدالرحمن بن محمَّد ابن عُبَيْد 1281هـ.

المقدمة: كانت الأوقاف –في حاضرة نجد- ومازالت عملاً شرعياً وحقاً مرعياً لجانب الفقراء والمحتاجين، وكان أهم مقوِّمٍ لحياة الناس قديماً طعامهم وأقواتهم التي يعتاشون بها، ولذلك اعتبر وقف أصول النخيل مع تسبيل ثمرتها من الأعمال الخيرية الجزيلة في قديم تاريخ الحواضر النجدية التي اشتهرت بالزراعة. ولا يستغرب أن تعوِّق دون تحقيق هذه المصالح بعض المعوقات الطارئة؛ لذا نقرأ في هذه الرسالة معاني الإخوة الصادقة وصورة من صور التعاضد المشرق بين مجموعة من الفضلاء الأخيار من الناس الذين يتعاونون على تسبيل عقار زراعي في مدينة جلاجل بناحية سدير من نجد. ويتضح من تحليل الوثيقة بعض الروابط القديمة لأفراد من أسرة العتيقي في جلاجل التي استمرت حتى بعد انتقالهم عنها بسنين.

 

 النَّص :"  من سُليمان بن عبدالمحسن العتيقي إلى جناب الأمجد الأحشم الشيخ عبدالرحمن بن محمد بن عبيد المحترم. أسعد الله أيامه ولياليه، وجعل مستقبل عمره خيرٌ من ماضيه آمين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد.

أخي؛ الموجب لتحريره إبلاغُك السلامَ، وفي أبرك ساعةٍ وصلنا كتابك الشَّريف، وكل ما شرح جنابك صار عند محبُّك؛ خصوصاً عن ما أوصاكم عليه الأخ محمد بن عبدالله ابن فارس من جهة مشترا(مشترى) النخيلات على نضركم (نظركم)، وأنَّ مراده يوقفهن لله تعالى؛ يوقف الجميع لما فيه الخير.

وعرف(اعرف) جنابك أنَّ محمد ذاكر لكم: حاجتكم تاخذونها منَّا، أخي حنَّا وإيَّاه حالٌ وحدة. وعشرين الريال إلّي(التي) ذكر جنابك؛ نرسلها ما توفَّق طارش نعرفه إلا إنْ كان أحد يروح ما نطّلع عليه، وأتانا محمَّد ابن جمَّاز وطلبهن منا؛ يذكر جنابك موصِّيه، وسلَّمْته إلى (الـ)عشرين ريال إنشاء (إنْ شَاء) الله تاصلك (تصلك)، وتعرِّفنا بوصولها وتمهرون الخط لأن هي القاعدة.

هذا وأبلغ سلامنا نفسك والابن وكافة من لديك والخط نهاية العجلة وأرجوك المسامحة، ومن لدينا الوالد ومحرره محبك حسن بن إبراهيم الضبيب والجميع يردُّون السلام، ودم في حفظ الله والسلام . 17 رمضان 1281هـ  "اهـ

الموضوع: رسالة جوابية من سليمان العتيقي ردّاً على الشيخ عبدالرحمن ابن عبيد في جلاجل؛ تشرح بعض تفاصيل المطالبات المالية ، مبينة قبول العتيقي حوالة محمد ابن فارس عليه، ورغبة الأخير في وقف مزرعة من النخل في مدينة جلاجل من قرى سدير لوجه الله تعالى، وجعله ابن عبيد ناظراً متولياً عليها.

 المرسل:  سليمان بن عبدالمحسن العتيقي (1)؛ بناء على طلب (الشيخ) محمد بن عبدالله ابن فارس (2).

المرسل إليه: الشيخ عبدالرحمن بن محمد بن عبيد (3).

التاريخ: 17 من شهر رمضان المبارك 1281هـ الموافق 13 فبراير 1865م.

الناسخ: حسن بن إبراهيم الضبيب.

المصدر: خزانة العبيد وأصلها من جلاجل بعناية الأخ الفاضل: عبدالله بن ناصر العبدالمحسن العبيد الخزرجي. أهدى لي نسختها في بيته في مدينة الرياض. والوثيقة برقم (149) في خزانة العبيد.

وصف الوثيقة: تعرَّضت هذه الوثيقة إلى بترٍ في الجزء العلويّ منها؛ أدى ذلك إلى طمس طفيف لأسماء المتراسلين.

الفوائد المستفادة:

1- أسلوب الحفاوة الشديدة في مخاطبة سليمان العتيقي للشيخ عبدالرحمن ابن عبيد؛ تدل على المعزة القلبية والتقدير الذي يكنه العتيقي للشيخ الكريم، حيث خاطبه بأجمل الأساليب وأحلى العبارات، فأنزله مقامه من التوقير والاحترام. ولم يبتذل مقامه بمباشرة الدخول فيما اعتلق بينهما من قضايا تجارية؛ مما يكشف سمو النفس في هذه الرسالة بما يحقق أدبيات السماحة في البيع والشراء كما وردت في الشرع المطهَّر. ويلاحظ أسلوب الملاطفة والتودُّد أيضاً في عبارة: " وكل ما شَرَح جنابك: صار عند محبُّك ".  

2- أفادت الوثيقة في مجمل مضمونها: أن مدينة "جلاجل"(4) الشهيرة بنخيلها وزروعها كانت محلَّ اهتمامٍ عند التجار في منطقة شبه الجزيرة، وكان نخيلها مرغوباً فيه كسائر المدن الزراعية بنجد، حيث استخدمت في تسبيل الصدقات وإطعام الجياع، وكانت مورداً حيوياً من موارد الرزق والحياة.

3- أنَّ هذه الوثيقة نموذجٌ من أوقاف أهل الكويت في الديار النجدية على الفقراء والمحتاجين؛ حيث ارتبط أهل القطرين بروابط اجتماعية ونسبية موحدة؛ وهذا معتادٌ في صنائع الكويتيين من ذوي الأصول النجدية أنهم يتعاهدون نجداً بالبر والصدقة والإحسان، والشيخ محمد الفارس من العلماء المدركين لأهمية الأحباس والأوقاف في شريعة الإسلام؛ مما جعل رغبته تشتد إلى فعل الخير وبذله. وتدل الرسالة على وجود مراسلات سابقة بين الفارس والعبيد حول هذا الموضوع وإن لم نطلع عليها (5).

4- أن التراسل الحثيث والمكاتبات "بين العبيد والعتيقي" لتخليص ما تحتاجه عملية المبايعة من مصروفات مالية، وما يتلوها من وقف للنخيل؛ يدل على: القرب المكاني بين الطرفين بما يكفل سهولة وسرعة القيام بالمهمة، فصارت أجدى وأنفع من الاستمرار في مراسلة الطرف الأصيل في المعاملة "الفارس" حيث كان مقيماً في الكويت . أما ابن عبيد فكان في مدينة جلاجل, و العتيقي كان في ذلك الوقت في مدينة المجمعة (6) وكلتاهما في ناحية سدير.

5- إنَّ مطالبة الشيخ ابن عبيد بثمن النخيل المشترى لحساب الفارس، ورغبة الثاني بأن يتولى ابن عبيد النظارة عليها؛ يدل ضمنياً على "الوكالة الممنوحة" للشيخ ابن عبيد في مباشرة اختيار "النخل" المراد وقفه؛ والرسالة لم تصرح بهذه الوكالة لكن تقدير وجودها من مقتضى سياق الوثيقة.

6- وبناء على ما سبق؛ فإن هذه الوكالة تدل على أمرين:

الأول: أن التوكيلات كانت قديماً من الأنماط المعتادة في تعاملات الناس؛ حيث تقضى بها الحوائج وتنجز بها الأمور المطلوبة بين المدن البعيدة المسافات، دون الاضطرار إلى تكلف عناء السفر والرحلة.

الثاني: الأمانة والثقة التي كان يتحلَّى بها الشيخ ابن عبيد؛ وكيف لا؟ وهو شيخ مدينة جلاجل وعالمها. وكما تدل على معرفته بلوازم أداء هذه المهمة (الدراية الزراعية)، حيث وكل إليه شراء خياراً طيِّباً من النخيل وهذا يقتضي علمه بالصالح الجيِّد منها. وكان لهذا العالم الفاضل عقارات عديدة يتولى العناية بها في جلاجل.

 

7- حرصُ العتيقي على بيان وثاقة العلاقة بينه والفارس مؤكداً بقوله: "حاجتكم تاخذونها منَّا. أخي؛ حنَّا وإيَّاه حالٌ وحدة."اهـ، لتطمئن نفس المشتري إلى قدرته على استيفاء حقه من دينه على ابن فارس، وفيه تصريحٌ من العتيقي بقبول الحوالة ورغبته الأكيدة في السداد. وبناءً عليه نفهم من عبارته: "  نرسلها ما توفَّق طارش نعرفه إلا إنْ كان أحد يروح ما نطّلع عليه "اهـ أنها: ليست عِدَةً ووعداً بإرسال المبلغ!! حيث قد تمَّ إرسال المال المطلوب مع ابن جماز، ولكنها عبارةُ اعتذارٍ عن تأخر المبالغ المستحقة لابن عبيد في السابق؛ وتعليل ذلك بعدم توفر الرسول الأمين على تبليغ هذه الأمانة؛ وإن وجد فإرساله متعذر للجهل به!

8- وقع التعريف بالمبلغ المطلوب وهو 20 ريالاً نمساوياً (مقاربٌ لـ45 ربية هندية)، ومن فوائد هذا التعريف: التأكيد بالمصادقة على المبالغ المستحقة بما ينفي الجهالة، بل ويزداد تأكيد المطالبة بهذه القيمة بسبب التصريح باسم محصِّل هذه العشرين: (ابن جمَّاز). ويتوافق المبلغ مع حجم المشترى المصرح به بصفة نخيلات.

9- طلب سليمان العتيقي من الشيخ ابن عبيد بيان وصول المبلغ إليه؛ يدل على علمه بأصول التخاطب المالي والتجاري، حيث قال: "وتعرِّفنا بوصولها وتمهرون الخط؛ لأن هي القاعدة."اهـ ثم في هذا حرصٌ منه رحمه الله على حفظ حق زميله الفارس من الضياع، وتعبيره بأنها: "القاعدة" بمعنى الأصل الجاري والقانون العرفي لتبرأ الذمة بتحرير وصل الاستلام. وتلك القاعدة معروفة ومألوفة لدى الشيخ العبيد ولكن حرص العتيقي من باب التوكيد.

11- أنَّ ابن جمَّاز معدودٌ من أهل الثقة والأمانات، وهو وكيل عن ابن عبيد على القبض، وقد جرت عادة الناس على التوكيل لتحصيل حقوقهم وقضاء مصالحهم(7).

12- أثبتت الرسالة وجود عبدالمحسن بن منصور العتيقي في قيد الأحياء المرزوقين من سنة 1281هـ لقول سليمان: "ومن لدينا  الوالد  ومحرره محبك حسن بن إبراهيم الضبيب والجميع يردُّون السلام "اهـ. وفي ذلك إشارة لعلاقة قديمة بين عبدالمحسن بن منصور وعبدالرحمن ابن عبيد, فهما متقاربان في العمر وكلاهما يحسن الكتابة والتوثيق(8). ويتقوى هذا الاحتمال إذا عرفنا أن آل منصور قد ثبت سكناهم جلاجل في الربع الأول من القرن الثالث عشر(9)

13- لا يعرف إلامَ آلت إليه هذه الوقفية وعلامَ انتهى إليه أمر هذه النخيلات الموقوفة لوجه الله؛ خاصة بعد وفاة الشيخ "عبدالرحمن ابن عبيد" الناظر المتولي عليها، بعد تاريخ هذه المكاتبة والمراسلة بأشهر قليلة جداً.

 

وكتبه أ.د. عماد بن محمد العتيقي.

في إبريل 2011م

الموافق جمادى الأولى 1432هـ.

 

الهوامش:

---------------------------

(1)  هو سليمان بن عبدالمحسن بن منصور العتيقي؛ ولد في النصف الأول من القرن الثالث عشر الهجري بنجد، ثم ارتحل إلى الكويت لاحقاً أخوه حمد و أبناء عمومته بينما كان أبوه عبدالمحسن وأخوه عليٌّ مستقرين في "المجمعة". وكان رحمه الله معدوداً من أهل الأمانة والصلاح مستفيداً من بركة "علماء أسرته" الذين عاصرهم أمثال والد زوجته الشيخ أحمد بن محمد بن سالم العتيقي الحنبلي، وقد زوال التجارة وتمهَّر فيها على العادة الجارية عند بني عمومته. رزق بابنة مباركة هي فاطمة زوجة ابن عمها الملا عبدالله بن حمد, وكانت صاحبة مجلس علم تجمع النساء فتقرأ عليهم من تفسير القرآن والمعارف الشرعية.

(2) هو الشيخ محمد بن عبدالله ابن فارس الحنبلي، من مشاهير علماء الكويت. أخذ عن علماء الزبير والكويت وغيرهم واشتغل بالنسخ والتوثيق، قال الشيخ البسام: "ولما شبَّ صار له سياحةٌ وجولة في البلدان من أجل طلب العلم ومن أجل أعمال تجارية، ثم اتخذ من بلد الكويت مقراً له وموطناً، وصار يتلقى العلم برغبة ونهم"اهـ انظر البسام، علماء نجد خلال ثمانية قرون (6/250). وقال تلميذه الشيخ عبدالله بن خلف الدحيان: "  ثم سافر الى الكويت سنة 1253هـ تقريباً فاتصل بالحاج عبدالعزيز العتيقي الحافظ لكتاب الله؛ وكان حنبلياً جامعاً لكتب كثيرة مهمة لا سيما من كتب الحنابلة؛ فأواه اليه . وجعلا يطالعان فيما بينهما ويتدارسان القرآن في كثير من الأوقات، ونسخ له بعض الكتب   . ثم قدم أبوه فاتخذ له داراً وفتح مكتباً يلي جانب مسجد (السوق) الجنوبي يعلم فيه القرآن والكتابة والحساب، وكان جميل الخط سريع الكتابة ذا عفاف وتقى مع خلق حسن وهدى مستحسن"اهـ انظر الرشيد، مجلة الكويت ص83، 84. توفي رحمه الله في الكويت سنة 1326هـ.

(3) هو الشيخ عبدالرحمن بن محمَّد بن عبدالرحمن بن محمد ابن عبيد الخزرجي ، من أهل العلم والفضلاء النجديين، رحل إلى مدينة الزبير مكررا الرحلة ينهل من علوم علمائها حتى أدرك حظه الوافر، وولي إمامة جامع جلاجل والخطابة فيه منذ عام 1255، ومارس الكتابة والتوثيق  للعقود وتخليص معاملات الناس، وكان حسن الخط ، له مراسلات عديدة مع قضاة وعلماء عصره تدل على سعة علمه واجتهاده في تحصيله حتى توفاه الله تعالى في "البلد الحرام" بعد تأديته لمناسك الحج سنة 1281هـ. انظر: ابن عيسى، عقد الدرر ص 55، والبسام، علماء نجد خلال ثمانية قرون (3/190). تحتوي مجموعة وثائق العبيد على ثروة غنية بمراسلاته مما يبرر إعادة كتابة سيرته.

(4) جلاجل: بضم الجيم الأولى وكسر الثانية، بلدٌ مشهورٌ من بلدان سدير، انظر: عبدالله بن خميس، معجم اليمامة، (1/273).

(5) كانت العلاقة والمحبة بين العبيد والفارس قديمة كما ثبت من وثائق أخرى ضمن مجموعة العبيد ذاتها.

(6) والقرينة الدالة على ذلك: أنَّ الناسخ كاتب الرسالة –إملاءً عليه- هو حسن بن إبراهيم الضبيب الحنبلي أحد مشاهير النساخ في المجمعة كما كان أبوه من قبل؛ فدل على أن صاحب الرسالة العتيقي في منطقة نجد وفي المجمعة بالذات.

(7) يظهر أن المقصود هو محمد بن إبراهيم ابن جماز حيث بينه وبين الشيخ ابن عبيد مراسلات أخرى, أحدها برقم (279) في خزانة العبيد ذاتها.

(8) وثق عبدالمحسن بن منصور للشيخ عثمان بن علي ابن عيسى سنة 1261 وثيقة نشرت ضمن كتاب "وثائق من الغاط" للأستاذ فائز بن موسى الحربي برقم 235.

(9) عماد بن محمد العتيقي "آثار أسرة العتيقي في جلاجل", بحث غير منشور.

Top