رسائل سالم العتيقي في الطريق من بومباي إلى البحرين عام 1339(1921م)

رسائل سالم العتيقي في الطريق من بومباي إلى البحرين عام 1339(1921م)

مفهوم الوحدة الوطنية والجماعة عند الكويتيين قديمًا

تمهيد

تهدف هذه المقالة إلى توثيق رسائل سالم بن عبدالله العتيقي التجارية والتي كتبها في الطريق من بومباي بالهند إلى البحرين في رحلة تجارية في جمادى الثانية 1339 (فبراير 1921م). وقد سجل سالم في رسائله عدداً من المشاهدات والملاحظات عن البضائع والأسعار والتجار الموجودين في الهند ومسقط والكويت والزبير. وتعامل أثناء ذلك مع عدد منهم مما يضفي على رسائله أهمية خاصة كونها وُثقت في رحلة واحدة. وتعطي هذه الرسائل أنموذجاً عن العلاقات التجارية للكويت مع الهند ونمط التجارة السائد والعلاقات البينية بين التجار المتعاملين في ذلك المجال. وفوق ذلك فهي تجسد نموذجاً قديماً لمفهوم الجماعة والوحدة الوطنية.

السياق العام

حدثت هذه الرحلة في الأيام الأخيرة لحكم الشيخ سالم مبارك الصباح (ربيع الأول 1335- جمادى الثانية 1339)-(فبراير 1917- فبراير 1921م).وقد حفل عصر الشيخ سالم بالأحداث التي لها تأثير مباشر على التجارة. وأولها تخفيض الجمرك على البضائع الداخلة إلى 4% مما أدى إلى تنشيط حركة التجارة وتشجيع التجار على توسيع أعمالهم.[1] ومنها نصب أسلاك البرق (التلغراف) الذي جعل الكويت على اتصال يومي ومباشر بالخارج.[2] وفي الجانب السياسي تدهور العلاقات مع السلطان عبدالعزيز ابن سعود وتزايد نشاط الإخوان وهجومهم على الكويت كما حصل في معركة حمض عام 1338-1919م ومعركة الجهراء في محرم 1339(أكتوبر 1920م).[3] كذلك ضربت الحكومة الانجليزية حصاراً على دخول وتصدير البضائع البرية من الكويت بسبب الحرب مع الدولة العثمانية فأصاب السكان من ذلك ضيق شديد حتى تم رفع الحصار في 16 صفر 1337 (20 نوفمبر 1918م)،[4] فاستمرت الكويت في دورها الرائد كميناء تجاري للجزيرة العربية ومحطة لقوافلهم رغم التهديدات الخارجية حيث كانت الميناء الطبيعي لنجد.[5]

السياق الخاص

امتهن كثير من أفراد العتيقي التجارة وسجلت أوراقهم علاقة مطردة مع الهند. وقد امتدت تجارة العتيقي مبكراً إلى الهند ونجد والعراق. أول من اشتهر بالتجارة عبدالله بن سيف بن أحمد العتيقي وذلك في زمن الحاكم الثاني عبدالله بن صباح وولده جابر بن صباح. كان عبدالله وولده عبدالرحمن بن عبدالله بن سيف العتيقي يمتهنان التجارة و يديران نشاط أسرتهما من الكويت. و كان سيف بن عبدالله يدير فرع الشركة في الهند، والشيخ صالح بن سيف العتيقي يدير فرع بلد الزبير وعبدالعزيز بن منصور العتيقي يدير فرع الشركة في سوق الشيوخ والتي كانت هي مع الزبير من أهم مراكز تجارة أهل الكويت و نجد في العراق. وقد حفظت الوثائق المتخلفة عنهم طرفاً من هذه التجارة والبضائع التي كانوا يتاجرون بها مثل الأقمشة والمواد الغذائية.تم تغطية بعض ذلك في المقالات: وثيقة (15) و وثيقة (16) في موقع العتيقي وفيهما وصف الوكالات والشركات التجارية للعتيقي في النصف الأول من القرن الثالث عشر (التاسع عشر الميلادي)[6].[7]

وبدأ الشيخ عبدالعزيز بن حمد بن سيف العتيقي في مزاولة نشاطه التجاري في زمن الشيخ جابر بن عبدالله بن صباح في زمن ازدهرت فيه تجارة الكويتيين مع الهند وشرق أفريقيا ثم إلى نجد والعراق. وكان معه قريبه وصهره الشيخ أحمد بن محمد بن سالم العتيقي الذي يتنقل بين الكويت ونجد. انتقل في تلك الفترة إلى الكويت حمد بن عبدالمحسن بن منصور العتيقي وأخوه سليمان، وبقي أخوهما الثالث علي بن عبدالمحسن في بلد المجمعة في سدير . فأقاما برعاية الشيخ عبدالعزيز بن حمد الذي يملك عدة مخازن ومتاجر في الكويت وتعلما منه التجارة. فأرسل حمد إلى الهند ليقوم باستيراد البضائع اللازمة لدكاكينه ومخازنه وبقي سليمان ليدير النشاط في الكويت، وعلي في المجمعة ليدير الفرع النجدي. وسرعان ما كون حمد بن عبدالمحسن لنفسه تجارة كبيرة واستقل بها بعد وفاة الشيخ عبدالعزيز بن حمد. كان لحمد بن عبدالمحسن ثلاثة أولاد يساعدونه وهم عبدالعزيز وعبدالله ومحمد وكان نشاطهم مركزاً في (قيصرية العتيقي) في منطقة المباركية التي تحتوي على عشرات الدكاكين.وقد عاد حمد بعد ذلك إلى الكويت وبقي ولده عبدالعزيز فترة في الهند ودخل في شراكات تجارية منها شراكة مع حمد بن عبدالمحسن الصالح.[8]

في هذه البيئة النشطة نشأ سالم العتيقي وأخذ مقاليد التجارة عن والده عبدالله بن حمد العتيقي وأدارعدداً من المخازن والدكاكين في قيصرية العتيقي بسوق المباركية. ودخل بعض الوقت في شراكة مع قريبه الشيخ عبدالعزيز العتيقي وكانت لهما رحلات إلى الهند. وقد أثر الحصار الذي ضربته الحكومة الانجليزية على تصدير البضائع. فلما انتهت الحرب العالمية الأولى والحال في كساد خشي سالم وشريكه من نزول الأسعار بعد انتهاء الحصار والبيع بالخسارة الأمر الذي حدا بهم إلى تحميل بضائعهم على جمال وسافر بها عبدالعزيز العتيقي مع مرافقين له لبيعها في نجد وذلك في محرم 1337 (أكتوبر 1918م).[9]

توصيف الرسائل

عُثر على هذه الرسائل في سجل واحد يحتوى على نسخة كربونية منها.[10] وهي ست رسائل بملحقين اعتبرناهما وثيقتين مستقلتين فيكون المجموع ثمان وثائق نقوم بعرض كل منها باختصار ثم نستعرض البيانات والفوائد التي تحتوي عليها. وجميع الرسائل وثقت في شهر جمادى الثانيه 1339 (فبراير 1921م).

1 – إلى والده عبدالله الحمد العتيقي:[11] ذكر في صدر الرسالة محل التوثيق وهو "مركب بن جورا". بعد التحية الواجبة وعبارات الاحترام اللائق يذكر أنه كتب سابقاً من بومباي ثم يبرر عدم توجهه إلى العراق بعدم تيسر المراكب وكثرة التكاليف والرسوم في البصرة بما يؤثر على مصلحة التجارة فيها. فيذكر نيته التوجه لقضاء شغله في أحد البنادر الثلاثة مسقط أو دبي أو البحرين. ولم يوضح طبيعة الشغل المزمع ولكنه انطلق من بومباي وتوقف في كراجي ثم نزل مسقط ولم يحصل على مطلوبه. وفي مسقط اشتدت عليه الحمي (السخونة) عندما كان في محل (السيد يوسف الزواوي) الذي لقي منه رعاية كريمة. ثم استقل المركب وتوجه إلى دبي ثم البحرين. ثم يعبر عن قلقه من عدم وصول مكاتيب من والده ويلح عليه في إرسال مكاتيب إلى بومباي مع مكاتيب (حسين بن عيسى). ويطلب منه تزويده باحتياجات شهر رمضان حتى يجهزها من عيش (أرز) وغيره من الحبوب. ويذكر أن البزار (الحب) ارتفعت أسعاره من قِبل العجم. ويضيف أنه أخذ خبراً عن (ابن مشعل) أنه باع بعض تمره في بومباي، ونزل بعضه الآخر في عدن وتوجه لبيع باقيه في بربرا وقيمته من 14-15 ربيه. ويذكر بضاعة عند (ابن صالح) و أنه أوصاه بشراء ذهب وإرساله.

2 – إلى والده عبدالله الحمد العتيقي: أُرسلت هذه الرسالة من مركب بن جورا قبيل النزول في البحرين. صدرها بالتحية اللائقة والدعاء ويخبره بالقدوم على البحرين. يدعو الله بالتوفيق في قضاء شغله ويطلب من والده الدعاء بالتوفيق.

3 – ملحق الرسالة السابقة: هنا يقترح على والده التوجه إلى الحج في الموسم القادم بمرافقة شملان (بن علي بن سيف) أو هلال (المطيري). ويقترح إليه اصطحاب (حسن الضبيب) لأخذ بضاعة وبيعها في مكة بمبلغ ألف ليرة من أجل تغطية مصاريف الرحلة.

4 – إلى العم حمد العبدالمحسن الصالح:[12] يبدأ الخطاب بعبارات التحية والاحترام اللائق. ثم يذكر مكتوباً سابقاً أرسل من بومبي وفيه تقرير عن المبيعات. ويضيف أنه استقام في بومبي إلى 30 من الشهر الماضي (جمادى الأولى) وأنه لم يتيسر مركب إلى طرفهم (البصرة). ثم يذكر نية ناس من الجماعة (الكويتيين) السفر في مركب (الفالتوه) ونيته السفر معهم وذلك بعد أن ينتهي من أشغاله في البحرين ويعود إلى بومبى. يضيف أنه أخذ خبراً في كراجي بركوب (الأخ عبدالعزيز) مع جماعة في مركب (جولار) ويدعو لهم بالسلامه. ثم يذكر مشتروات: مفتاحين وإبريق وكاغد هي مطلب من المرسل إليه وأنه أرسلهم بواسطة (راضي بن جمعان) و(عبدالله …..) عند (محمد المطير) قيمة الجميع 16.3 ربيه. يستفسر عن وصول الفحم الذي أُرسل سابقاً ويطلب الإفادة بمكتوب عند حسين بن عيسى أو (العم صالح). ثم يبلغ السلام إلى الأخ عبدالله وإخوانه. ويخبر أنه واجه الأخ عبدالمحسن (الصالح) بصحة جيده في كراجي وقد تحسنت صحته عن الماضي، ويرفق مكتوباً من المذكور. ثم يرجو شراء ذهب بصافي قيمة الفحم وإرساله عن طريق العم صالح أو (داوود المرزوق البدر).

5 – إلى العم محمد بن حسين المطير:[13] تبدأ الرسالة بعبارات التقدير والاحترام حسب المعتاد. ثم يشير إلى رسالة سابقة ذكر فيها ما لزم مما بينها من تعاملات. ويضيف أنه لم يقسم له التوجه إلى البصرة وأنه ينوي النزول في البحرين. يبلغه أنه أرسل مع راضي بن جمعان مطلوبه وهو ميز (طاولة) صغير على الشكل المطلوب وبداخله أغراض إلى العم حمد الصالح وست دستات كاغد ومفتاحين وإبريق، قيمة المذكور مع نقله 41 ربية يطلب تقييدها باسمه. ويذكر بضاعة أخرى أرسلت سابقاً موجهة إلى العم (محمد الصالح). ثم يطلب تبليغ السلام إلى الإخوان وإلى مقام (المشايخ خالد وعذبي المحمد الصباح). ثم يطلب التعريف عن وصول الميز عند حسين بن عيسى أو (محمد السالم السديراوي).

6 – إلى العم حسن بن صالح الضبيب:[14] تبدأ الرسالة بعبارات التقدير والاحترام حسب المعتاد. ثم يذكر أنه سبق وأرسل عدة رسائل عن طريق بومبي وأنه لم يستلم أي جواب. ويستفسر عن السبب راجياً ألا يكون بسبب قصور من طرفه. ويلح في السوال وطلب الجواب للاطمئنان على صحة المرسل إليه والتبليغ عن بعض الأخبار والأسعار (في الكويت). ثم يبلغ عن وصول صندوق خوص مع (يوسف إبراهيم المسلم) وفيه أغراض للبيت يرجو قبضه وإرساله إلى بيت العم محمد الصالح (العتيقي) مع الأخ محمد. ويشير إلى غرض عند (محمد العتيبي) سوف يسلمه له. ويطلب الاستفسار عن أهله إن كان لهم مكتوب يودون إرساله له. ثم يسلم على (الملا سعود) ومحمد العتيبي و(جارالله الحسن). ويذكر أنه أرسل "بشت" مع يوسف إبراهيم المسلم.

7 – إلى الأخ محمد بن سليمان العتيبي:[15] تبدأ الرسالة بعبارات التقدير والاحترام حسب المعتاد. وفي أعلاه ذكر محل الرسالة مركب بن جورا. يتبع ذلك الإفادة أنه متوجه إلى البحرين ثم يعود إلى بومبي. يخبره بإرسال أمتعة شخصية وأغراض للبيت ويطلب توصيلها إلى حسن الضبيب. ويخبره كذلك بإرسال صندوق قصب فيه أغراض للأهل مع يوسف بن مسلم يطلب توصيلها أيضاً إلى حسن الضبيب. ثم يبلغ السلام إلى الملا سعود وجارالله الحسن والعم حسن و(ابن مهوس) إن كان حاضراً. ثم يشير إلى جنطة (حقيبة) جلد مع الشخص المذكور (ابن مسلم) تعود إلى (خالد الزيد الخالد) يطلب توصيلها إلى (أحمد الفهد) بواسطة الأخ محمد.

8 – ملحق الرسالة السابقة: يتطرق الحديث عن تمر ابن مشعل وأنه يعتقد بسفره من عدن قبل نصفات التمر. وقد أمر المخاطبُ (العتيبي) سالماً بتحويل صافي المبيع إلى محمد السالم (السديراوي). والآن الأمور اختلفت من جهتين الأولى تأخير بيع التمر والثانية أن محمد السالم حصل انحراف في صحته (مرض) ولم يتمكن سالمٌ من مقابلته. والذي يتولى الشغل هذه الأيام (مرزوق) وكاتبه (ابن عامر). وسمع سالمٌ أن محمد السالم عزم التوجه إلى الكويت قريبا. وبالتالي فإن الرأي أن "تكون دراهمنا عند ربعنا أقرب تناولاً". ويقترح على المخاطب إما أن يقبض عوضاً (بضاعة) أو يقبض نقداً في الكويت ويطلب منه القرار حتى يكتب للاثنين (ابن سري) وابن مشعل بذلك. ويذكر أن التمر تحسنت أقيامه بكل مكان.

ثم يذكر إرسال كونية بطاط ونصف كونية بصل مع يوسف إبراهيم المسلم. وأيضاً بقشة إلى ولد زاحم وبقشة إلى فاروق (بن محمد عقيل البستكي) وبقشة إلى (عبدالرحيم العوضي). وبقشة وقوطي حلوا من ولد سيد خلف (النقيب) إلى ولده تسلم إلى (عبداللطيف الابراهيم الخميس). وأخيراً يتطرق إلى رخص العيش من نوع رانقون ونوع حلوا في بومبي. شركة (نرتل مريسن) تعرض بيع ذلك واصل البحرين أو البصرة يقبض المشتري من السيف نمر1 رانقون بسعر 15 ربية ونصف، ونمر 2 حلوا بسعر 13 ربية ونصف . وأما عيش كراجي على حالته السابقة.

نرفق أدناه صورة إحدى الرسائل وهي الموجهة إلى محمد بن حسين المطير:

history article 14-1

وفيما يلي الرسالة الموجهه إلى العم حمد بن عبدالمحسن الصالح:

history article 14-2

وهذه صورة من ملحق رسالته إلى محمد العتيبي:

history article 14-3

التعليق والفوائد

1- مصطلح ومفهوم الجماعة: استخدم سالم مصطلح الجماعة في رسائله للدلالة على الكويتيين المقيمين في بومباي. ولا يبدو أن هذا المصطلح فارغ عن محتواه. فدلائل اللحمة والتعاون تواجه القارئ في كل رسالة من رسائل سالم كما في رسائل التجار الآخرين. فتراهم يكفل بعضهم بعضاً ويعين بعضهم بعضاً ويمشي بعضهم في حاجة إخوانه بدون النظر إلى طائفته وعشيرته. وكلما غادر مغادر ناحية الوطن يحملونه من الرسائل والوصايا والهدايا والحاجيات الخاصة ما يزيد عن معاملات البيع والشراء. فتجد مع كل مرسال (بقشة) لفلان وبقشة لفلان الآخر مع تعليمات بتوصيلها لمستفيدها. وهم في ذلك يتعاملون بالثقة وكلمة الشرف والأمانة. ويتبادلون الأخبار والنصائح فيما يعود بالنفع على الجميع. يفرحون لفرح أحدهم ويهتمون لهمه. ولا يتوانون عن مساعدة المحتاج وإغاثة المكروب. وقد ظل مصطلح (الجماعة) متداولاً بين الكويتيين مدة طويلة بعد ذلك حتى إنه كان شعار الشيوخ والحكام ليدل على أهل البلد من حاكم ومحكوم. وفي ذلك يقول الشيخ صباح السالم الصباح رحمه الله:[16]

أنا وشعبي كل ابونا جماعة
الدين واحد والهدف أخدم الشعب

لا ضاق صدر الشعب ما استر ساعة
أضيق من ضيقه وأستر لا حب

2- دوائر العلاقات: تتضمن الجماعة التي وصفها سالم في رسائله دوائر كبيرة ودوائر أصغر حتى تصل إلى العلاقات الحميمة. فنجد دوائر اجتماعية عامة، ودوائر عمل مشترك تتمثل في رسائله إلى محمد المطير وحمد الصالح ومحمد العتيبي. وهناك دوائر أصغر تتمثل في العلاقات الحميمة كالتي بينه وبين والده، وبينه وبين كل من حسن الضبيب ومحمد العتيبي وإن كانت لا تخلو من علاقات عمل مشترك. وفي ذلك يتمتع سالم بحس أدبي راقٍ فتجده يمزج العتاب بتقديم العذر والمسامحة. فيقول مثلاً لحسن الضبيب "سيدي كتبت لك جملة مكاتيب وطلبت منك الجواب على طريق بومباي وإلى حال تاريخه لم آخذ جواب وإني متعجب من ذلك أرجو ألا يكون بادر منا قصور بحقكم. صار يا ابو صالح إن كان بادر منا شيء فنرجوكم المسامحة وأما مني فأنا سامح خاطري بكل ما يبدر منك". وفي رسالته إلى محمد العتيبي يمزج التكليف بالاعتذار والتودد فيقول بعد طلبه من صاحبه حاجة قضاء شخصية له: "وأرجو المسامحة على تجاسرنا عليكم بذلك. ويعلم الله أن الذي دفعني إلى ذلك هو ثقتي فيكم….". وهذا الإحساس المرهف والأدب الراقي ليس غريباً على سالم فإن صفته عند صديقه الشيخ عبدالعزيز الرشيد[17] هو: "صاحبنا الأديب الفاضل سالم بن عبدالله العتيقي". ونظراً لأخلاقه العاليه هذه ترى الكويتيين في بومباي يسارعون إلى تحميله بالأمانات لتوصيلها إلى ذويهم في الكويت. ورد في الرسائل أسماء بعض هؤلاء التجار مثل خالد الزيد الخالد، أحمد الفهد، ولد زاحم ، فاروق (بن محمد عقيل البستكي)، عبدالرحيم العوضي، ولد سيد خلف (النقيب)، عبداللطيف إبراهيم الخميس.

3- ورث سالم بن عبدالله العتيقي حرفة التجارة كابراً عن كابر. فوالده عبدالله بن حمد بن عبدالمحسن بن منصور العتيقي كان من الشخصيات البارزة في المجتمع الكويتي زمن الشيخ مبارك الصباح. أخذ عبدالله التجارة عن والده حمد بن عبدالمحسن والذي بدوره أخذها عن الشيخ عبدالعزيز بن حمد والشيخ أحمد بن محمد بن سالم والد زوجته. وجد الشيخ مبارك الصباح في الشاب المستقيم "عبدالله" الذكاء والحرفة في الكتابة مما جعله أميناً على ديوانه ومراسلاته وسكرتيره الخاص لمدة السنوات العشر الأولى من حكمه ومن هنا كانت شهرته الملا عبدالله العتيقي. وهو بالإضافة إلى ذلك كان يشرف على تجارة أسرته التي تركزت في قيصرية العتيقي الكائنة في محلة العتيقي بحي الوسط.

4- البضائع: ورد في الرسائل جملة من البضائع والمواد التي تجلب من الهند بعضها على المستوى التجاري وبعضها الآخر للاستخدام الشخصي. وهي: الفحم، العيش (الأرز)، البزار (الحب)، مفتاح، إبريق، كاغد (قرطاس الورق)، ميز (طاولة)، صندوق خوص، فُوَط، حلوى، بطاطس، بصل. أما البضائع التي تجلب من البصرة إلى الهند وغيرها فورد منها: التمر بأنواعه والذهب.

5- البنادر: أي الموانئ التجارية وهي بومباي (في الهند)، كراجي (حالياً في باكستان)، مسقط وتكتب "مسكت" وهي عاصمة سلطنة عمان، دبي، البحرين، البصرة، عدن (في اليمن)، بربرا (في الصومال).

6- المراكب: مركب بن جورا (الذي سافر فيه سالم)، مركب جولار، مركب الفالتوه.

7- وكلاء التجار الكويتيين في بومباي: أفادت الرسائل بوجود وكيل رسمي للكويتيين وهو محمد بن سالم السديراوي. وهو شخصية معروفة وقد ورث النشاط التجاري في بومباي عن والده سالم. عينه الشيخ مبارك الصباح وكيلاً عنه يقوم بأعمال قنصلية للكويتيين في الهند.[18] ونظراً لمرض الوكيل واعتزامه السفر إلى الكويت تفيد الرسائل أن هناك وكيلاً آخر قائمٌ بالأعمال وهو : مرزوق وكاتبه ابن عامر. وتميل الرسائل من هذا النوع إلى الاختصار أحياناً والاكتفاء بالاسم الأول إذا كان الشخص مشهورا. والمقصود هو مرزوق بن محمد بن سليمان المرزوق من كبار التجار الكويتيين في الهند.[19] وكان له كاتب يساعده من بيت العامر. وكان لمرزوق علاقات قوية بحكومة الهند مما يتيح له أن "يتولى الشغل" كما قال سالم في رسالته. كما ورد في الرسائل وجود وكيل غير رسمي هو : حسين بن عيسى (القناعي)،[20] فيلجأ إليه الكويتيون لاستقبال الرسائل وتوزيعها وخدمة التجار بما تجود به نفسه وتتيح له علاقاته العريضة.ورد اسم حسين بن عيسى مرتين في رسائل سالم كصاحب بريد موثوق يلجأ إليه بعض التجار لكون تجارته رائجة ومراكب بريده منتظمة الذهاب والإياب.

8- العملات: الليرة العثمانية وتكتب (عصملية) وتعادل مائة قرش. وقيمتها في ذلك الوقت أقل من الجنيه الاسترليني بحوالي 8%. الربية الهندية هي العملة الرئيسية في تجارة الهند. وكان الجنيه الانجليزي يعادل 15 ربية. الربية تعادل 16 آنه. الآنة تعادل 4 بيزات.[21]

9- الأسعار: ورد في الرسائل سعر العيش بأنواعه وأنه رخص عما قبل. العيش (الأرز) من نوع رانقون بسعر 15 ربية ونصف (الكونية)، ونوع حلوا بسعر 13 ربية ونصف. وأما عيش كراجي على حالته السابقة. وهذه الأسعار تشمل التسليم على السيف في بلد المشتري وبالتالي فإن البائع ضامن للبضاعة حتى التسليم. وبملاحظة الأسعار قبل ثلاث سنوات من تاريخ الرسالة نجد أن عيش كراجي كانت قيمته 21 ونصف، رانقون 23، حلوا 20 ربيه.[22] وبالتالي يتضح مغزى رخص الأسعار الذي أشار إليه صاحب الرسالة. فقد انخفض عيش رانقون بنسبة 34.8%، وعيش حلوا بنسبة 35%.

10- الشركات والعقود: ورد في الرسائل اسم الشركة التي تتاجر بالعيش ورسمها المرسل "نرتل مريسن". ورد اسم هذه الشركة في مصدر آخر برسم "ترسن مريسن" في مجال تسويق الطحين.[23] وقد تم تعريفها بشركةTurner Morrison Co. وهي شركة بريطانية مساهمة كانت نشطة في مجال الشحن والنقل في كلكتا وبومباي وكان لها أسطول ينقل الحجاج من بومباي. وقد كان نشاط النقل يدر عليها أرباحاً وفيرة.[24] وتميزت هذه الشركة بالعقود من نوع CIF: Cost-Insurance and Freight وفيه يشمل سعر البضاعة تكلفة الإنتاج والمناولة والتأمين من التلف والعطب. وصاحب الرسالة قد استخدم عبارة "يقبض المشتري من السِيف" للتعبير عن نوع التعاقد ((CIF. فهي شركة عاملة في الهند تتاجر في نقل المواد الغذائية.ويسمى النقلFreightفي لغة القوم "نول" وجمعها أنوال. وهي العبارة التي استخدمها سالم ليعبر عن قلة جاذبية بندر البصرة للتجارة بسبب ارتفاع تكلفة الأنوال وغير ذلك من الرسوم. قال في رسالته لوالده: "مصالح البصرة كلها تروح مصاريف وأنول وغيره". وكان التجار الكويتيون يلجأ بعضهم إلى التعاقد مع النوخذا فيتحملون تكلفة النقل ويعطونه "النول" لضمان المنافسة.[25] وسبق أن أشرنا إلى الوضع التنافسي للكويت أيام سالم الصباح بتخفيض الضريبة بالإضافة إلى موقعها الجغرافي المتميز وحسن معاملة التجار.

وكتبه

د. عماد محمد العتيقي

محرم 1437 أكتوبر 2016


الهوامش:

[1] عبد العزيز الرشيد " تاريخ الكويت" عناية خالد عبد القادر عبد العزيز الرشيد. 1926-2016م. ص 425.

[2] عبد العزيز الرشيد. المرجع السابق.. ص 430.

[3] عبد العزيز الرشيد. المرجع السابق. ص 441، 449-457.

[4] عبد العزيز الرشيد. المرجع السابق. ص 433.

[5] أحمد مصطفى أبو حاكمه "تاريخ الكويت الحديث" ذات السلاسل 1985م. ص 335.

[6] وثيقة رقم 15 موقع العتيقي Alateeqi.com.

[7] وثيقة رقم 16 موقع العتيقي Alateeqi.com.

[8] وثيقة مرسلة من عبدالعزيز بن حمد العتيقي في بومباي إلى حمد بن عبدالمحسن بن صالح في 1 رجب 1310(18 يناير 1893م).

[9] مذكرات الشيخ عبدالعزيز بن محمد العتيقي. مخطوط.

[10] جميع هذه الرسائل تم تصويرها من مكتبة وأرشيف محمد سالم العتيقي رحمه الله. بعناية د. عبدالعزيز محمد العتيقي فله الشكر والتقدير.

[11] ينظر وثيقة رقم (43) وكالة عبدالله بن حمد العتيقي على بيت جدته هيا عبدالعزيز العتيقي- من ملامح مدينة الكويت في أول نشأتها. موقع العتيقي Alateeqi.com

[12] لأفراد من عائلة العتيقي علاقة تجارية قديمة مع الصوالح. فقبل سالم كان عمه عبدالعزيز بن حمد مقيماً في بومباي ويدير نشاطاً تجارياً بالشراكة مع حمد بن عبدالمحسن الصالح المشار إليه والذي كان وقتها في الزبير (هامش رقم 8). وقد ذكر سالم في رسالته عدداً من أفراد عائلة الصالح مما يدل على قوة علاقته بهم.

[13] كان محمد المطير من كبار تجار الكويت في زمن مبارك الصباح. حيث ورد اسمه في وثيقة موقعة باسم الشيخ مبارك الصباح تتضمن كشفاً بأسماء بعض التجار بتاريخ 8 ذو القعدة 1323هـ الموافق 3 يناير 1906م (إفادة من الأخ فهد العبد الجليل).

[14] يستفاد من المعلومات المتوفرة أن حسن بن صالح الضبيب كان وثيق الصلة بأسرة العتيقي في الكويت حيث أنه أصهر إليهم بعض نساءهم ثم تزوج ابنه محمد من منيرة بنت عبدالله بن محمد العتيقي. وتفيد الرسالة أن حسن يزاول التجارة. وذريته اليوم في الكويت والمملكة العربية السعودية.

[15] يتضح من الرسالة أن محمد سليمان عبدالعزيز العتيبي كان صديقاً حميماً لسالم العتيقي. وهو أي العتيبي شخصية مرموقة في المجتمع الكويتي. أمضى سنوات طويلة في شبابه في الهند تعلم فيها التجارة وحسن الخط واللغات الهندية والانجليزية. وعمل في المكتب الخاص للشيخ مبارك الصباح في الكويت، وفي مجلس الشورى مع الشيخ أحمد الجابر الصباح. وكان أميناً خاصاً للشيخ عبدالله السالم الصباح. له مساهمات ثقافية في النادي الأدبي وإنتاج شعري ونثري. توفي رحمه الله في 1962م (إفادة من الأخت حصة عوض الحربي).

[16] موقع تاريخ الكويت Kuwait- History.net

[17] عبدالعزيز الرشيد. مصدر سابق. ص 506.

[18] عبدالله المدني"وكيل الشيخ مبارك الصباح في بمبي" جريدة الأيام، البحرين، 22 أغسطس 2014م.

[19] موقع عائلة المرزوق. Al-Marzook.com. كان مرزوق محمد المرزوق تاجراً قديراً وعلى علاقة قوية مع حكومة الهند البريطانية، ومعتمداً من الشيخ مبارك الصباح وممثلاً له في الهند.

[20] حول حسين بن عيسى القناعي ينظر خالد عبدالرحمن العبدالمغني "عودة إلى شارع محمد علي رود وسط بومباي" جريدة القبس، 22 مايو 2013م.

[21] عماد محمد العتيقي "دليل إنشاء وتحقيق سلاسل الأنساب"، 2001م. ص 153-155.

[22] من تجارة الماضي من أرشيف الحاج محمد بن عبدالله المتروك. إعداد محمد بن ضرغام المتروك. 2015م. ص 123 (رسالة من عبد المحسن بن ناصر الخرافي إلى محمد بن عبدالله المتروك في 1336/1918م).

[23] من تجارة الماضي. المصدر السابق. ص 143 (رسالة من محمد ثنيان الغانم إلى محمد بن عبدالله المتروك) في 1340-1921م..

[24] -Stephanie Jones" Merchants of the British Raj" London,1992. Pp 27-28.

[25] من تجارة الماضي. مصدر سابق. ص 120(رسالة من محمد بن عبدالله المتروك إلى ناصر عبدالمحسن الخرافي) في 1333-1915م.

صورة من الأرشيف للمرحوم سالم بن عبدالله العتيقي:

history article 14-4